الغزالي

45

إحياء علوم الدين

لا تهربين من عذاب الأبد وأنت متعرضة له في كل حال ! ومن أين تطيب المصيبة إذا عمت ولأهل النار شغل شاغل عن الالتفات إلى العموم والخصوص ! ولم يهلك الكفار إلا بموافقة أهل زمانهم حيث قالوا * ( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) * « 1 » فعليك إذا اشتغلت بمعاتبة نفسك ، وحملها على الاجتهاد فاستعصت ، أن لا تترك معاتبتها وتوبيخها ، وتقريعها ، وتعريفها سوء نظرها لنفسها ، فعساها تنزجر عن طغيانها المرابطة السادسة في توبيخ النفس ومعاتبتها اعلم أن أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك . وقد خلقت أمارة بالسوء ، ميالة إلى الشر ، فرارة من الخير . وأمرت بتزكيتها ، وتقويمها ، وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها ، ومنعها عن شهواتها ، وفطامها عن لذاتها . فإن أهملتها جمحت وشردت ، ولم تظفر بها بعد ذلك . وإن لازمتها بالتوبيخ ، والمعاتبة ، والعذل ، والملامة ، كانت نفسك هي النفس اللوّامة التي أقسم الله بها ، ورجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية . فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها ، ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولا بوعظ نفسك أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام : يا ابن مريم ، عظ نفسك ، فإن اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستحى منى وقال تعالى * ( وذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) * « 2 » وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جلهلها وغباوتها ، وأنها أبدا تتعزز بفطنتها وهدايتها ، ويشتد أنفها واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق ، فتقول لها يا نفس ، ما أعظم جهلك ، تدّعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا ، أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار ، وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب ، فما لك تفرحين ، وتضحكين ، وتشتغلين باللهو ، وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم ، وعساك اليوم تختطفين أو غدا ! فأراك ترين الموت بعيدا ويراه الله قريبا . أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب ، وأن البعيد ما ليس بآت ؟

--> « 1 » لزخرف : 23 « 2 » الذاريات : 55